الشريف الإدريسي
مقدمة الناشر 12
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
المصرح بالأخذ عنها في المقدمة ، قد نسب إلى معظمها في مادة الفصول والأبواب ، كنحو إسناده إلى « الجاحظ » في كتابه « الحيوان » وغيره ، بل نجده قد صرح من خلال مادة الكتاب - كذلك - بأسماء بعض المصادر التي اكتفى في المقدمة بذكر مؤلفيها إهمالا لمسمياتها ، كنحو إسناده إلى « قدامة » في كتابه « الخزانة » ، وليس « الخراج » كما توهم البعض . ثالثا - أن جل اعتماد « الإدريسي » في جمع مادته على الجوالة والتجار ، أو بمصطلح عصرنا « شاهد العيان » ، ولذا كثيرا ما تطالعنا في ثنايا الكتاب مواد مسندة إلى هذا الصنف من المصادر ، كنحو قوله : « ولقد أخبر بعض السفار الثقات ، وكان قد تجول في بلاد السودان نحوا من عشرين سنة . . . » ، « . . . وهذا مشهور معلوم ، يعلمه تجار أهل تلك البلاد ، ويحكونه عنهم » ، « وحكى بعض المسافرين إلى مدائن كوار أن . . . » ، « حكى بعض المخبرين أن . . . » ، « ونأتي فيه بما ذكره المتجولون ، ونقله المسافرون ، واتفقت عليه أقاويل الناقلين ، حسب الطاقة ومبلغ الجهد » . رابعا - أن كل ذلك قد امتزج امتزاجا طيبا بمشاهدات « الإدريسي » عينه ، وخبراته كرحالة وجغرافي وخرائطي . تقويم مادة الكتاب : لم يقتصر « الإدريسي » في « النزهة » - كما قدمنا - على الجغرافية الطبيعية البحتة ، بعناصرها ، وإنما عني إلى جانبها بالجغرافية البشرية بشتى عناصرها المتاحة لديه ، بما يخدم مجالات المعرفة الأخرى ، من اجتماع ونظم وعقائد وتأريخ وأدب . . . كما لم ينحصر دوره فيها على جمع وتنظيم المعلومات في أبواب وفصول ، وإنما كان - علاوة عن ذلك - صاحب رؤية علمية ، وذوق فطري سليم ، صاحبا أكثر مادة الكتاب ، وتبديا في عقد كثير من الموازنات بين ما شهرت به المدن لديه من بناء وعمارة ، أو مزروعات ومعادن ، أو معايش وتجارات ، وما وصف به بعض الأجناس البشرية في مواضع بالجمال الفائق ، وفي أخرى بالقبح الفاحش ، مع التعليل في كل ، وما تطرق إليه من تعديد أنواع الصنف الواحد من المخلوقات ، والموازنة فيما بينها من خصائص وصفات ، على نحو ما سوف يطالعك من تعديد للموز والأسماك والحديد ، والتعريف ببعض الحيوانات ، وطرقهم في تحصيل معايشهم بصيد « الأسماك » و « الحيتان »